الشيخ محمد هادي معرفة

406

التفسير الأثرى الجامع

[ 2 / 7788 ] وأخرج الطبراني عن كثير بن مرّة عن عقبة بن عامر عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « المسرّ بالقرآن كالمسرّ بالصدقة ، والجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة » « 1 » . [ 2 / 7789 ] وروي عن معدّ بن سويد الكلبي يرفعه : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سئل عن الجهر بالقراءة والإخفاء بها ؟ فقال : « هي بمنزلة الصدقة فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » « 2 » . وقفة فاحصة عند قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ نعم لا بدّ أن نقف هنا ، وندقّق النظر حول هذه الآية الكريمة . إنّنا نواجه أمرين خطيرين ، واجههما القرآن طول توجيهه إلى الإنفاق ، وتنوّع أساليبه في الترغيب والترهيب بصدده . أوّلا : ما لاحظه الإسلام في طبيعة النفس البشريّة من حبّ الذات والتقديم بالنفس على مصالح الآخرين ، الأمر الّذي يبعثه على الشحّ بالمال ، ودون بذله من غير حصيلة تعود إليه في عاجل أو آجل قريب . وهذا ما يستدعي تحرّكا مستمرّا واستجاشة دائبة تعمل في توجيهه إلى مكارم الإنسانيّة العليا وترفّعها عن الابتذال إلى مستوى نهم الحرص والشحّ بالمال ، دون الإنفاق به في صالح العامّة ، والّذي هو سبيل اللّه ، وابتغاء مرضاته في العاجل والمآل . وثانيا : مواجهة القرآن تلك البيئة العربيّة الّتي اشتهرت بالكرم والسخاء . ولكنّه سخاء يقصد به الذكر والصيت وثناء الناس وتناقل أخباره في المضارب والخيام . فكان من العسير أن يوجّههم الإسلام إلى غير ذلك المسير ويعرّفهم المنهج الصحيح في الصدقة والإنفاق العامّ . متجرّدين عن خيلاء الجاهليّة ، متّجهين إلى اللّه وحده دون الناس . فكان الأمر في حاجة إلى تربية طويلة وجهد كثير ، والهتاف المستمرّ بالتسامي والتعالي عن مهابط الخيلاء ، وقد كان ولا يزال « 3 » . * * *

--> ( 1 ) الكبير 17 : 334 / 923 ؛ أبو يعلى 3 : 278 - 279 / 1737 ؛ الثعلبي 2 : 274 / 194 ؛ أبو الفتوح 4 : 81 ؛ مسند أحمد 4 : 201 ، وفيه : والمجهر بالقرآن كالمجهر بالصدقة . ( 2 ) الثعلبي 2 : 274 ؛ أبو الفتوح 4 : 80 . ( 3 ) راجع : في ظلال القرآن 1 : 460 - 461 . ( اقتباس ) .